حوارات و تقارير
أخر الأخبار

أزمة المشهد السياسي الحزبي الاسرائيلي، وما هو الدور السياسي الذي نريده؟

نيفين أبو رحمون – ناشطة وباحثة اكاديمية

في غضون السنوات الأخيرة برز جليا الخلاف السياسي الاسرائيلي بين الأحزاب حول نهج القيادة والمشروع السياسي الذي تحمله. وقد ظهر ذلك منذ سيطرة الأحزاب الصهيونية الدينية على الحكم وسلطاته مما أثارت هذه الخلافات بعض القضايا العالقة بينهم مما دفع الى المنافسة بين يمين ويمين ليبرالي وحتى الاحزاب التي ادعت يساريتها لم تتمكن من فرض نفسها على الساحة السياسية الداخلية . هنالك عدم استقرار سياسي نتيجة الصراعات الحزبية والتنافس حول قيادة الأحزاب والائتلافات، اضافة الى انحسار نفوذ ما يسمى في اليسار والذي يعكس في دوره  أيضا انزياح المجتمع الاسرائيلي نحو اليمين اضافة الى مكانة وجوهر عمل اليسار الاسرائيلي الذي انزاح هو الاخر عن القيم اليسارية المتعارف عليها، خصوصا بعد حرب تموز وما تلاه من خسائر عسكرية وسياسية اسرائيلية. وفي المقابل هنالك قاعدة شعبية كبيرة اخذة في الازدياد نحو اليمين الشعبوي الصهيوني، حتى اذا ما نظرنا الى الاحزاب الموسمية الناشئة التي تطرح نفسها على انها احزاب وسط تختفي وتعود الى اليمين رغم انها كل مرة تطرح من جديد ما يسمى ” الطريق الثالث” في محاولة الى فرض نفسها على الساحة السياسية الا انها تتلاشى بحكم الخلافات وبعض المصالح العليا التي تتلاقى مع احزاب اليمين يمين. ولكن قد تكون هذه الاحزاب وهذا الطرح هو احد مسببات الخلافات الحزبية الاسرائيلية والتي تدل بعض الشيء عن عدم رضا الجمهور لما هو قائم .

منذ العام 1996 يشهد المشهد السياسي الإسرائيلي نشوء أحزاب وسط جديدة تم انتخابها لعضوية الكنيست، غير أنها سرعان ما كانت تعود وتختفي من الخريطة السياسية، وهذا قد يكون نتيجة الصراع الوهمي الذي تفتعله قوى اليسار واليمين.

بالمقابل، هيمنت الأحزاب السّياسّية الاسرائيليّة اليمينيّة على المشهد السّياسي الاسرائيلي في السّنوات الأخيرة، وأهمّ ما جمع بينهم مشروع تثبيت وتعميق الاستيطان والاحتلال الى جانب مخطّط الضّم الزاحف الخطير في مناطق ج، اضافة الى سياسات احكام السيطرة كاملا في القدس وتهويدها.

في ظلّ خطورة الطرح السياسي الذي قدمته الحكومة الاخيرة حكومة بينيت – شاكيد، مهم الاشارة الى أن دخول القائمة العربية الموحدة الى الائتلاف في محاولة الى تطويع العمل البرلماني الفلسطيني وكأنه ضمن سياق طبيعي في هذا المشهد، هو خطأ سياسي واستراتيجي، وقد أخفقت القائمة الموحدة بذلك، وباعتقادي، هذا أثّر أيضا على نتاج الأداء السياسي الذي رافق العمل البرلماني لسنوات عديدة. وما أنجز من اعتراف بالدولة اليهودية كان أهم مكاسب الحكومة الاسرائيلية من تنظيم سياسي عربي لم يحدث بهذا الشّكل من قبل، بالرّغم من كل تركيبة الحكومة التي كانت مبنيّة بالأساس على سياسات التحريض والهدم والملاحقة السياسية.

ولكن مهم الاشارة أيضا أن القائمة العربية المشتركة قد يكون اخفقت في تحديد مشروع سياسي شامل مناهض مبني على أساسات متينة طويلة الأمد والا يقتصر عملها كاملا على ردود احتجاجية  رغم اهمية ذلك. الا ان السياسة الاسرائيلية طرأ لديها تغييرات جوهرية وبنيوية لا يمكن التعاطي سياسيا معها في نفس القوالب التي كانت قائمة في سنوات سابقة.

حول المشهد السياسي الفلسطيني الحزبي في الداخل:

برز في السنوات الأخيرة في التاريخ السياسي العربي والفلسطيني الحديث مصطلح “التيار الثالث” او كما اسماه البعض في زمن الثورات العربية في “الثورة المضادة” وأبرز ما يمكن الحديث عليه هو ما حدث في مصر حينها تحت شعار : ” احنا مش مع مرسي ولا مع مبارك ولا مع العسكر” وففلسطينيا حين تم طرح ضرورة تشكيل التيار الديموقراطي وهنا يمكن فهم ذلك فعليا ان هنالك محاولة في حشد شعبي في وجه الاستقطابات والاطراف السياسية وهي بالمناسبة خطوة هامة من أجل خلق تيار سياسي مركزي يسعى الى نسف الاصطفافات وفي تجربة البرلماني خوض ذلك مقابل الاحزاب الاسرائيلية في محاولة الى تصويب الموقف السياسي.

جيّد وهام طرح التجمّع الوطني الديموقراطي  لبناء التيار الثالث ولكن كان من المفترض بسبب العطب التنظيمي الذي يعاني منه وعزوف الكوادر أن يطرح ذلك في سياق مختلف وليس لمناسبة الانتخابات بل من أجل استنهاض الكوادر واستعادة قوته وقاعدته الشعبية وعنندها يصبح هذا الطرح من منطلق قوة وليس العكس.  وهذا ما يصعب فهمه في الشارع كيف يمكن تحقيق ذلك في فترة الانتخابات ، خصوصا ان ما يطرحه التيار الثالث هو بديلا تنظيميا وسياسيا يسعى الى تغيير السلوك السياسي والى بناء قاعدة شعبية تشكل نواة صلبة في وجه الاستقطابات التنظيمية والسياسية، باعتقادي طرح هام ولكن في توقيت غير مناسب وغير مجدي، وقد يكون سيئ يعض الشيء. ولكن، لو تم طرح ذلك بفترة سبقت الانتخابات في سنة  من أجل التعبئة والبناء الحقيقي نحو اعادة صياغة تيار جماهيري مركزي مناهض لما هو قائم من سياسات قد يكون مناسب الى جانب بناء حراكات ومؤسسات تعمل في ديناميكية مستمرة الى جانب العمل البرلماني خصوصا ان ما يتم طرحه لا يمكن حصره فقط في العمل البرلماني .

من المهم جدا تشكيل التيار الثالث بعيدا عن الموسم الانتخابي ، وقد تكون هذه المبادرة الأهم في ظل انعدام مشروع فلسطيني جامع، وبالتالي قد يجمع به كل فئات المجتمع على الساحة الفلسطينية قوى وافراد واتجاهات شعبية. ومن الضرورة التوصل الى برنامج سياسي مشترك وطني وديموقراطي يهدف الى تصويب ما يمكن في الموقف السياسي ومساعٍ من أجل تحقيق الاصلاح والتغيير في بنية المجتمع وبنية النظام السياسي اضافة الى الاتفاق بين القوى حول المنظومة الداخلية والديناميكية بينهم في العمل الشعبي الى جانب البرلماني.

في العودة الى تشكيل القائمة المشتركة في عام 2015 كمشروع سياسي جامع حمل برنامجا سياسا هاما للعمل البرلماني، وشكّلت هذه التجربة خطوة هامة في العمل المنظّم على أساس قومي جماعي، حيث اجتمعت فيها كافة الأحزاب كمحاولة الى تشكيل قوة في وجه سياسات اسرائيل، وباعتقادي كانت خطوة هامة من أجل تنظيم العمل البرلماني ضمن برنامج سياسي وطني واضح. ولكن ما اخفقته مؤخرا انها لم تقم في مراجعة ادائها ولا برنامجها رغم انه اسرائيليا هنالك تحولات عدة من شأنها أن تغيّر ديناميكية العمل من أجل تغيير السياسات من خلال العمل البرلماني. ناهيك عن أن النضال السياسي يحتاج كل مرة من جديد الى مراجعة حقيقية اضافة الى العمل في ادوات نضالية جديدة تخدم القضية على كافو الساحات النضالية.

ما هو الدّور السياسي الذي نريده؟

تؤكّد التجارب النضالية أن وجود تصور جماعي يعزّز من التمسّك في مشروع وطني، بمعنى السعي الجماعي الى بناء مشروع سياسي اجتماعي يدعو الناس ويجذبهم الى العمل السياسي والمشاركة الفعلية، خصوصا ان عزوف الناس عن العمل السياسي نتيجة انعدام مشروع جماعي وعدم الوضوع في الموقف لدى الأحزاب من قضايا محددة.

في السنوات الأخيرة تم انجاز بناء المشتركة وفعليا هو انجاز هام، ولكن استمر في ظل غياب رؤية وطنية جامعة والتي جعلت الوحدة محسورة فقط في العمل البرلماني دون مرجعيّة سياسيّة واضحة.

لقد طورت الأطر السياسية في الداخل العمل السياسي على أساس القواعد السياسية الاسرائيلية وبمؤسساتها، وهذا ما اعطاها ما يسمى “الخصوصية” عن باقي الأطر الفلسطينية في التجمعات الفلسطينية. وشكلت الحراكات السياسية سابقا مرجعا سياسيا وفكريا على المجتمع ومؤسساته ولكن هذا الأمر تراجع بفعل عدة اسباب. لذلك، قد نرى فجوة ما وحالة من الاغتراب بسبب سلوك وسياسات اسرائيل التي يهيمن عليها اليمين ، وبالمقابل لم نشهد أي تحرّك استراتيجي للحراكات السياسية الفلسطينية في الداخل في وجه ذلك، بسبب بنيتها التنظيمية المتاكلة التي انشغلت في تثبيت وجودها على حساب  الرؤية والمشروع فيها.

المطلوب الان هو تحويل العمل السياسي الى قوة جماعية واعية ومدركة الى التحولات الجوهرية الاسرائيلية التي تقودنا الى المزيد من التضييق والملاحقة والنيل من وجودنا ومكانتا كفلسطينيين، وعليه المطلوب هو تعزيز دور التنظيم السياسي الجماعي الذي يحمل مشروعا واضحا ، يقود به الناس نحو مشروع سياسي واجتماعي كامل يؤسس الى مرحلة جديدة في العمل والرؤية دون انحسار ذلك في العمل البرلماني الاسرائيلي، بل الى جانب ذلك  سعي مطلق الى مأسسة العمل في لجنة المتابعة وأطر سياسية أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى