اقلام و اراء

العمليات الفلسطينية وفَزّاعة التهديد الوجودي “لإسرائيل؛ تضخيمٌ لتبرير البطش؟

تتناول الأدبيات البحثية العالمية التهديد الوجودي على أنه تهديدٌ ذو إمكانية واضحة لإحداث ضررٍ حقيقي على قُدرة الدولة على التعامل بنجاح مع الأخطار الخارجية والداخلية. لذلك فهو كُل ما يُهدد وجود الدولة وسيادتها وهويتها المتفق عليها. يحتل مفهوم التهديد الوجودي في “إسرائيل” أهميةً خاصة، إذ يشير، في الحالة “الإسرائيلية”، وفق خُبراء الأمن الإسرائيليين، إلى ثلاثة مستوياتٍ رئيسية من التهديد الوجودي: على المستوى المادي؛ الأضرار القاتلة التي قد تَلحقُ بدولة “إسرائيل” والتي يستحيل التعافي منها والعودة إلى أداء وظائفها الطبيعية. على المستوى السيادي؛ فُقدان سيطرة مؤسسات الدولة تدريجياً على السكان ومواردهم؛ أما على مُستوى الهوية فيعني فقدان هوية الدولة، أي أن تفقد “إسرائيل” كونها كياناً يهودياً مُستقلاً “وديمقراطياً” ذي سيادة، قادرٍ على تحقيق مصيره، أو بعبارةٍ أخرى؛ أن تفقد دولة “إسرائيل” كونها الدولة القومية للشعب اليهودي.

وعلى الرغم من أن “إسرائيل” تمكنت، خلال 74 عام من وجودها، من تطوير نقاط قوة عسكرية واقتصادية وسياسية كبيرة، وأصبحت “حقيقةً قائمة” واعترف بها جزءٌ كبير من المجتمع الدولي ومن “جيرانها”، إلا أنها حتى اليوم لا تزال تواجه تحدياتٍ أمنية تشمل ما تسميه “الأعداء الذين ينادون بل ويكافحون من أجل تدميرها”. ويُلخص الخبراء الإسرائيليون التهديدات الخطيرة المُحتملة التي قد تُعرّضُ “إسرائيل” في المستقبل للخطر الوجودي، وتُعطل عمل أنظمتها الحيوية وهويتها كدولة “يهودية وديمقراطية” بمجموعة من سيناريوهات التهديد، ثلاثةٌ منها أمنية – عسكرية: “تشكيل تحالف عسكري إقليمي ضد إسرائيل، توسيع الانتشار النووي في الشرق الأوسط، وانهيار أنظمة الدفاع الإسرائيلية بسبب هجوم صاروخي شامل ومتكامل ودقيق بقيادة إيران ووكلائها”. واثنان من التهديدات سياسية واجتماعية: فقدان الشرعية الدولية من خلال العُزلة الدولية ومقاطعة إسرائيل، وأخيراً تفكك المجتمع الإسرائيلي وفقدان عناصر تماسكه الاجتماعي وهويته كدولة “يهودية وديمقراطية”. وعلى الرغم من تأكيد الباحثين على قوة الركائز العسكرية الأمنية والسياسية الإسرائيلية، وأن دولة “إسرائيل” لا تواجه حالياً تهديدات خارجية وجودية فورية، إلا أن “إسرائيل” التي مضى على وجودها أكثر من 74 عاماً ما زالت تعيش مُعضلة “تبرير وجودها” وتدرك أن شرعيتها مَحلَ نزاع، ويُدركُ قادتُها، بشكلٍ بديهي، أنها ستستمر “كدولة” لفترة طويلة فقط إذا كان بالإمكان الدفاع عنها، بالمعنى المادي والمعنى الأخلاقي معاً. فعلى المدى القصير، يمكن للكيانات السياسية “المشكُوك في حقها في الوجود” أن تعيش من خلال استخدام القوة المادية. ومع ذلك، وعلى المدى الطويل، فالبلدان التي لها ما يبرر وجودها في نظر الجمهور الذي يعيش فيها والمرتبط بها، هي فقط تلك التي تكون قادرة على الاستمرارية والاستدامة. لذلك، فإن هذه المسألة بالنسبة “لإسرائيل” ليست مُجرد مسألة نقاشٍ فكري نظري، بل الأمر متعلقٌ بشكلٍ مباشر في “فُرصها في البقاء”، لأنه سيكون من المستحيل حماية “الدولة اليهودية” إذا اعتقد جُزءٌ كبيرٌ من سكانها أن هذا “المشروع” غير مُبرر، وبالتالي لا يستحق الحماية.

فإسرائيل التي وُلِدت في الخطيئة ولا تزال تعيشها، تبني سلوكها لتعزيز الأساس الذي تقوم عليه “محاولات تبرير وجودها”، وتستخدم بشكلٍ كاسح “التهديد الوجودي المستمر” لها ولهويتها اليهودية لتبرير الأذى الذي تُلحقه بالآخرين. فكما لعبت إسرائيل بورقة “الهولوكوست” حتى النخاع، تستمر اليوم في تغذية القلق الوجودي لدى مواطنيها، وتسوّقُه أمام العالم كذلك، لجني الأرباح السياسية من هذه الفزّاعة، سواءً داخلَ “إسرائيل” أو على الساحة الدولية. ولاستمرار التحكم في “الوعي الجمعي” لهذا المجتمع، تتكأ نظرية الأمن الإسرائيلية وتتمحورُ حول نظرةِ الصهاينة للعربِ المُحيطين بهم، إذ تقومُ على تغذية الإحساسِ الدائم بأن العرب والعالم مُتربصون بِهم، ولذا لا بُدَّ من أن يَظل المجتمع الإسرائيلي مُسلح إلى أقصى حَد باعتبارِ الحربِ مع العربِ حقيقةً لا بُد منها تضمَنُ مِن خلالها “إسرائيل” مجتمع مُسلح وتَضمنُ استدامة سُبل الإمداد والمساعداتِ الإمبرياليةِ لها. واليوم يُترَكُ هذا التهديد بشكلٍ مقصودٍ خبيث، كجرحٍ مفتوحٍ لا يندمل، وتُدرك “إسرائيل” معنى اللعب على استمرار هذه “الفزاعة” حيةً في ذاكرة شعبها. إن نظرةً على الخطاب الإسرائيلي حول “التهديد الوجودي” تكشِف عن كل التفاصيل الأصغر والأكثر تصويراً “لكثافة الرعب” الذي تزرَعُه في أذهان مواطنيها، بما يسمح “لهم” بالحُكم على أن “دولتهم” يتهددها خطرٌ رهيب يسمَحُ بتجاهل وضعها كقوة احتلالٍ أو كقوةٍ استعمارية قمعية.

وبكُل دهاء تواصل “إسرائيل” استخدام هذه “الفزاعة” لإضفاء الشرعية على ما تفعله أمام مواطنيها وتلقينهم عقائد وافكار تستخدمها لخلق شعورٍ بالتهديد الوجودي المستمر لديهم، يؤدى إلى أن تُصبحَ كُل صَيحةٍ على “اليهود” قِصةً ديماغوجية ممجوجة مُبتذلة. ويؤدي هذا النهج من التوظيف “المُفرط” في أن تتحول التهديدات “الطبيعية”، الأمنية والمدنية، وتُعرَضُ كما لو أنها تهديداتٍ وجودية حقيقة مما يُطلق يد الأحزاب السياسية والحكومة وأجهرة الأمن، وحتى الأفراد ويمنحهم ذريعةً لاتخاذ إجراءات بعيدة المدى لوضع حد لهذه “التهديدات الوجودية”!.

لذلك، لا عَجبَ أن يَنسِبَ البعض، في المجتمع الإسرائيلي، إلى الفلسطينيين الرغبة في إتمام عمل هتلر، وكأن الجمهور الفلسطيني يواصل طريق الحزب النازي!. إنه بالتأكيد نوعٌ من الهرطقة، لكنَّ هذا ما يحدث عندما تكون القومية والكراهية وعدم التسامح تجاه الآخرين، والعنف تحت ستار “التهديد الوجودي” و “الوطنية” والتربية على “التفوق اليهودي”، جزءاً من السلوك الإسرائيلي اليهودي اليومي، فإن النتيجة المتوقعة أن يميلَ الجمهور اليهودي إلى التقليل من قيمة الثمن الذي دَفَعه الفلسطينيون، وما زالوا، مقابل يهودية “البلاد” واستمرار بقائها. إن تدريب القلوب والعقول على قَبول إقصاء مجموعةٍ إنسانية جمعاء وإنكار حقوقها الأساسية، يُمهد الطريق لمزيدٍ من الفظائع، ويتسع نطاق مثل هذه الفظائع مع ازدياد جُرعات الشعور “بالتهديد الوجودي” التي يتلقاها المُجتمع “الإسرائيلي” يومياً من أجهزة الدولة المختلفة. إن تضخيم التهديد المطروح والخداع فيما يتعلق بخطورة مجموعة “عرين الأسود” أو “كتيبة جنين” على سبيل المثال، أو عمليات طَعن الإسرائيليين، أو العمليات الفردية الفلسطينية وعرض الوضع على أنه “خطرٌ وجودي” يخلق شرعيةً عامة لاستخدامٍ غير مُقيدٍ ومُفرطٍ للقوة. فالذي يتابع طَرحَ الأحداث في الإعلام الاسرائيلي وعلى ألسنة قادة الجيش والسياسة في “إسرائيل”، يُخيل إليه أن تسلل فلسطيني مُسلح لقاعدة عسكرية، أو خَطف جنودٍ إسرائيليين، أو هُجومٍ على الحدود الفلسطينية، هي تهديداتٌ وجودية وفق ما تطرحُه هذه الأوساط. إن تقديم التهديد الحاصل من عملية إطلاق نارٍ يقوم بها فتىً فلسطيني، مثلاً، على أنه “خَطر إبادة” و “دفاعٌ عن الوجود” و “دفاعٌ عن السيادة”، على أنها تهديد وجودي يستدعي في مواجهته اتخاذ إجراءاتٍ صارمة جداً تتناسب وطبيعة هذا التهديد. والواقع أن كُل الأحداث الأمنية التي تعاملت معها “إسرائيل” فيما مضى، والتي تتعامل معها أجهزة أمن الاحتلال بشكلٍ منتظم، بما فيها ما يجري اليوم في جنين ونابلس في سياق النضال التحرري الوطني الفلسطيني، وفي ضوء اختلال موزاين القوى بين الطرفين، لم تكن مُفاجِئةً أو خارجةً عن المألوف بالمُطلق!. لكن بالنسبة للمُتطرف بن غفير ولقادة الاحتلال من المهم دائماً أن يصوروا للجمهور الإسرائيلي وللعالم أن هذا النوعَ من التهديد أعمقُ بكثيرٍ مما نظن.!

تُبرر “إسرائيل” أفعالها بذريعة “الدفاع عن النفس” كأساسٍ دائمٍ لاستخدام القوة المُفرطة والمميتة مع الفلسطييين، فالمنظمات “الإرهابية” الفلسطينية تُعلن أنها تنوي تدمير “إسرائيل” وتُرسل الآلاف لاقتحام السياج الحدودي من أجل تحقيق هذا الهدف، وقيادتها “شريرة وتسفك الدماء”، لذلك فإن “إسرائيل” تواجه “الدمار” لا أقل!، وفي مواجهة التهديد الوجودي، “كما تعلمون، كُل الوسائل مُباحة”!. والواقع أن زرع هذه الأوهام من “الخطر الداهم” يُمكن أن يقود أي أمة، ولو تظاهرت بأنها “ديمقراطية ومستنيرة”، إلى ارتكاب الفظائع، كقصف السكان المدنيين، وقتل الأطفال، وفرضِ الحصار والتجويع، وهدم المساكن وترحيل السكان أو إنكار الحقوق الإنسانية البديهية.

محمد هلسة

القدس المحتلة

30/01/2023

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى