اقلام و اراء

“إسرائيل”: “الأمة كلها جيش والبلاد كلها جبهة”؟

محمد هلسة – كاتب وباحث في الشؤون الصهيونية

تدرك “إسرائيل” أن الجبهة الداخلية هي نُقطة ضعفها، وأن محور المقاومة من الشمال إلى الجنوب يمتلك صواريخ وقذائف متطورة تُغطي كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة.

مع اشتداد نُذُر المواجهة مع محور المقاومة، يتجدد الجدل في “إسرائيل” حول اضطرارها، عاجلاً أم آجلاً، إلى مواجهة حرب متعددة الساحات، ليس مع فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة والضفة فحسب، بل مع حزب الله في لبنان وسوريا وإيران أيضاً.

وقد تناولت تقارير إعلامية إسرائيلية حالة الجبهة الداخلية في ظل حرب متعددة الجبهات، إذ تطرق موقع “والا” الإسرائيلي إلى سيناريو كهذا، وأشار إلى أن “إسرائيل”، في حال وقوع هذه الحرب، “ستشهد دماراً لم تشهده من قبل”.

وذكر الموقع أن هذا السيناريو جرت محاكاته من قبل قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية خلال مناورة “القبضة الساحقة” التي تضمنت فرضية إلحاق أضرار بالبنية التحتية للكهرباء والمياه، وهروب آلاف العمال من المرافق الأساسية، كالمستشفيات والمصانع، وهروب المستوطنين من التجمعات السكانية الإسرائيلية، إضافة إلى الإضرار بالاستمرارية الوظيفية للاقتصاد.

وزير حرب العدو يوآف غالانت قال أيضاً في إطار زيارته قيادة الجبهة الداخلية في مدينة الرملة: “إذا اندلعت حرب، فمن المتوقع أن تواجه الجبهة الداخلية الإسرائيلية تحديات لم نكن نعرف مثلها خلال 75 عاماً من وجودنا”، وذكر أن “قدرة الجبهة الداخلية على التعامل مع التحديات المُقبلة لها تأثير حاسم في نتائج المعركة”.

وبينما يتحدَّث الجميع في “إسرائيل” عن الاستعداد العسكري، وخصوصاً في ظل الصراع الداخلي الإسرائيلي وقضية “رفض الخدمة” التي ظهرت في صفوف وحدات مختلفة من “الجيش”، وخصوصاً سلاح الجو، فلم يَفُتهم الحديث عن مقدرة المستوطنين الإسرائيليين على “المقاومة والصمود” في ظل مواجهة عسكرية طويلة.

تدرك “إسرائيل” أن إلحاق الأذى بالجبهة الداخلية الإسرائيلية شكّل في جميع مواجهاتها الأخيرة مع المقاومة هدفاً أساسياً لخصومها، وذلك لضرب مقدرتها على الصمود أمام الهجمات ومنعها من تقديم الدعم لـ”الجيش” الإسرائيلي في أنشطته الميدانية في جبهة المواجهة.

تُعتبر الجبهة الداخلية أمراً بالغ الأهمية وتشكل عنصراً حاسماً في القدرة على حسم المعركة والانتصار، وخصوصاً في حرب متعددة الساحات. وفي “إسرائيل” تحديداً، حيث غالباً ما تكون الجبهة الداخلية جزءاً أساسياً في المواجهة، يدرك قادتها أن الاختلاف الأساسي بين حروب اليوم والحروب التي خيضت حتى منتصف القرن التاسع عشر أنها كانت حروباً بين جيوش على الدوام. وقد بقي مستوطنوها “المدنيون” دائماً خارج “منطقة الحرب”.

يعتمد صمود الجبهة الداخلية الإسرائيلية بصورة عامة على عدة عوامل، منها: مُدة المواجهة، ومدى ما يُحرزه “الجيش” من إنجازات على الجبهة، والقدرات الدفاعية، واستمرارية الأداء الاقتصادي الفاعل، ومقدرة الدولة على استمرار تقديم الخدمات الحيوية لمواطنيها، إضافة إلى “ثقة الجمهور وإيمانه” بأن هذه حرب مبررة لا بُد منها. 

صحيح أن “دولة إسرائيل” قوية من الناحية العسكرية، وتقوم بإعداد جبهتها الداخلية باستمرار، ويُعتبر اقتصادها من الاقتصادات القوية في العالم، ولديها اتفاقيات سياسية مع دول عربية، ولديها تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة، لكنها من الناحية الأخرى تعيش أزمة سياسية واجتماعية بسبب رفض الخدمة الناتج من الإجراءات التشريعية التي تقودها الحكومة.

لقد كُتب الكثير عن حقيقة أن هذه الأزمة تضر بالقدرة العملية والردع لـ”الجيش” الإسرائيلي والمؤسسة الأمنية، لكن علينا أن لا نغفل عن الضرر المُتوقع لقدرة الجبهة الداخلية الإسرائيلية على التعامل مع سيناريوهات الحرب المُحتملة والضرر الذي قد تُلحقه الأزمة السياسية والاجتماعية بقدرتها على الصمود في الحرب بسبب فقدان ثقة المجتمع الإسرائيلي بأسره بالقيادة السياسية التي تتخذ القرارات السياسية والأمنية المصيرية، إذ تؤدي الجبهة الداخلية وجاهزية المواطنين والسلطات المحلية وجميع الهيئات الأساسية الإسرائيلية دوراً مُهماً في صمود الجبهة الداخلية وقدرتها على مساندة “الجيش لهزيمة العدو”.

تاريخياً، ظلت “إسرائيل” تشن حروبها عبر الحدود وتدفع أعداءها بعيداً من “حدودها”، إلى أن تغير هذا الوضع خلال حرب الخليج الأولى عام 1991، إذ وصلت نيران الحرب إلى قلب المستوطنات الإسرائيلية عبر صواريخ سكود التي أُطلقت على العمق الإسرائيلي، وتحولت الساحة التي لطالما اعتبرتها “إسرائيل” ساحة “خلفية” آمنة إلى ساحة المواجهة الرئيسية في الحرب.

نتيجة لذلك، حدثت نقطة تحول مهمة في مفهوم الجبهة الداخلية في “إسرائيل”، وتقرر، كجزء من عِبر الحرب، إنشاء قيادة الجبهة الداخلية باعتبارها القيادة الرابعة في “الجيش” الإسرائيلي، وأصبحت الجهة المسؤولة عن إعداد “السكان المدنيين” لحالات الطوارئ والحروب.

اعتُبرت هذه الخطوة بمنزلة انتقال من المفهوم القديم الذي فصل مسؤولية القتال على الجبهة (“الجيش”) عن مسؤولية الدفاع عن الجبهة الداخلية (منظمات المجتمع المدني) نحو المفهوم الجديد الذي خوّلَ المنظومة الأمنية​ مسؤولية التعامل مع الجبهة الداخلية أيضاً، إذ تسببت التغيرات في طبيعة الحرب في المنطقة باندماج المؤخرة (السكان) مع مقدمة الجبهة (الجيش) في إطارٍ واحد، وخصوصاً بعدما أصبحت إمكانية ضرب “المؤخرة” (البطن الرخوة) هدفاً إستراتيجياً لدى محور المقاومة، بهدف التأثير السريع في نتيجة الحرب.

بَنَت “إسرائيل” أمنها القومي في الماضي على العلاقة بين المفهوم التقليدي للأمن ومفهوم العمل الميداني لـ”الجيش”، بحيث اتكأ على 3 ركائز: الردع والتحذير والحسم، لكن النزاعات التي حدثت في السنوات الأخيرة، والتحول من حرب ضد جيوش نظامية إلى قتال ضد منظمات مسلحة وحرب عصابات، والتي كان يصعب معها اتخاذ قرار الحسم بسبب التغيير في طبيعة التهديد والعدو، أدى كله إلى تكييف هذا المفهوم مع التحديات الأمنية التي تطورت في أعقاب الهجمات على “الجبهة الداخلية” الإسرائيلية باستخدام الأسلحة بعيدة المدى والعمليات الاستشهادية في عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة.

لذلك، أُضيف “الدفاع” كركيزة رابعة في مفهوم الأمن القومي، وأخذ يحتل تدريجياً مكانة مركزية متزايدة في مفهوم الأمن ا​​لإسرائيلي، لأن الجبهة الداخلية أصبحت ساحة رئيسية للمواجهة مع العدو.

تدرك “إسرائيل” أن الجبهة الداخلية هي نُقطة ضعفها، وأن محور المقاومة من الشمال إلى الجنوب يمتلك صواريخ وقذائف متطورة تُغطي كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي قادرة على إصابة البنى التحتية الحيوية والأهداف الاستراتيجية في العمق، بما يشل الحياة ويعطل الروتين اليومي للمستوطنين كأداة مشروعة للضغط على الحكومة وصناع القرار في “دولة” الاحتلال.

ومن المعلوم أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية تؤدي دورين رئيسيين خلال الحرب، أولهما هو دعم المجهود الحربي عبر توفير الأفراد والموارد والدعم اللوجستي لجبهة القتال، وثانيهما، وبدرجة الأهمية نفسها، يُشكل صمود الجبهة الداخلية بالمقاومة النفسية والدعم المعنوي حتى نهاية القتال عنصراً أساسياً في قوة “إسرائيل” وقدرتها على حسم الصراعات بسرعة. 

تتأثر مقدرة الجبهة الداخلية الإسرائيلية ومرونتها بعدد كبير من العوامل التي سبقت الإشارة إليها، لكن المجتمع الإسرائيلي يميل بطبعه إلى تفضيل الجولات القصيرة الخاطفة على الحرب الطويلة، وتدرك قيادته عدم مقدرة الجمهور على الصمود في حرب طويلة يسقط فيها الكثير من القتلى في ساحة المواجهة وفي الجبهة الداخلية، كما حدث في حرب تموز 2006 مع المقاومة في لبنان. 

لا يعتمد طول فترة القتال على مقدرة الخطوط الأمامية على الصمود في أيام المواجهة فحسب، بل على حالة الجبهة الداخلية وتماسكها أيضاً في ظل اضطرابات التعليم والتنقل، وإغلاق المرافق الاقتصادية، وغيرها من القيود التي تؤدي إلى نفاد صبر الجمهور الإسرائيلي الذي يميل إلى “الفعل السريع والحلول الحادة التي تُقلل من حدة الأذى”، ويكره القتال “منخفض الكثافة الذي يستمر لفترة طويلة”.

باختصار، يفضل الإسرائيليون أن يعيشوا حياة روتينية هادئة، ولا يحبون من يهدد ويعطل هذا النمط من الحياة. وعندما يشتد الخطب وتتشوش أنماط الحياة المُعتادة ينفد صبرهم. ورغم أن القيادة الإسرائيلية تُكابر في الحديث عن صمود الجبهة الداخلية، فإنها لا تتعامل مع “الموقف العام” كأمرٍ مُسلمٍ به، وهي تدرك أن الجمهور الإسرائيلي بحاجة إلى الإقناع، فكلما استمرت المواجهة تعالت الشكوك والأسئلة في الخطاب العام الداخلي والمفتوح، وخصوصاً أن السيطرة على المعلومات وصورة الحرب لم تعد حصراً بيد “الدولة” وحدها في ظل ثورة المعلومات وانتشار شبكات التواصل الاجتماعي. 

ليس من قبيل المصادفة احتلال قضية الجبهة الداخلية مكانة مرموقة في مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، فهي تفترض أن الكثير من الصراع سيحدث “في عُمق المستوطنات” في الحروب والصراعات المستقبلية المحتملة بين “إسرائيل” وأعدائها، وسيتعرض “المدنيون” لخطر متزايد، وربما أكثر من جنودها على الجبهة. 

زد على ذلك أن طبيعة النزاعات تتغير لجهة استمرارها بدرجات متفاوتة الشدة، خلافاً للحروب السابقة التي غالباً ما انتهت باتفاقات وقف إطلاق النار أعقبها فترة هدوء، فالمواجهات مع الفلسطينيين وحزب الله تتميز بالاستمرارية وتغيّر شدة الصراع من وقت إلى آخر، وهو ما أنهى المساحة الفاصلة الواضحة بين المؤخرة (السكان) والمقدمة (الجيش) في المواجهة.

إن المفهوم الذي وجّه “دولة إسرائيل”، والذي سعت بموجبه إلى نقل المعركة إلى أراضي العدو في أسرع وقت ممكن، أصبح صعب التنفيذ للغاية في عصر النار الجوية والصواريخ، ولم يعد يُقدم استجابة مُرضية للتهديدات الجديدة.

وقد أثّرَ التغيير في طبيعة النزاعات كذلك في مفهوم الأمن، فالردع الفعال ضد الدول المعادية لا يحقق التأثير نفسه مع تنظيمات المقاومة المُقاتلة، ولم يعد يجدي “إسرائيل” نفعاً أن ترفع شعار “الأمة كلها جيش، والبلاد كلها جبهة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى